سهيلة عبد الباعث الترجمان

707

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

رابعا : الجبر والاختيار في مذهب الجيلي : بعد عرضنا لمذهب الجيلي في وحدة الوجود وما تمخض عنه من قضايا تتعلق بالحقيقة الوجودية بوجهها الحقي والخلقي نقول : هل في مذهب الجيلي مكان للإرادة الإنسانية ؟ وهل الإنسان حرّ في أفعاله أم هو مجبور عليها ؟ هذه النظرية وإن كانت نظرية خلقية لما يترتب عليها من طاعة أو معصية بحق الخالق ، فهي تعتبر نتيجة حتمية للقول " بأن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق " حيث ينفي أصحاب مذهب وحدة الوجود القول بإرادة إنسانية مستقلة ، وذلك لاستهلاك إرادته في إرادة اللّه ، الحق ، وذلك عن طريق الترقي والمجاهدة في المقامات والأحوال . ولكن ما يراه الجيلي أن التدرج في المقامات والأحوال من أجل الوصول إلى الكمال الأخلاقي والعرفاني يتوجب ظهور الإرادة الحرة عند السالك للطريق ، وإلّا فما معنى الترقي والمجاهدة ضمن هذه الإرادة المقيدة ؟ يمكننا القول هنا بأن الجيلي في هذا المجال قد كشف عن أصالته واستقلاليته عن غيره ، فلم يكن مجرد تابع لابن عربي في مثل هذه القضايا ، بل صاحب فكر جديد ، حيث وجد الإجابة على ذلك بطريق الذوق والكشف الإلهي الذي هو فوق العلم والعيان « 1 » ، وذلك في مسائل مثل الخير والشر ، والجبر والاختيار ، وكان إيمانه بكل ذلك إيمان تحقيق لا إيمان تقليد « 2 » لما أعطاه الكشف من الحقائق التي تخفى على العقول والأبصار . يعرض الجيلي في مبحثه هذا عن مفهوم الإرادة الإلهية ومفهوم الإرادة الإنسانية وما بينهما من علاقة في تحقيق أفعال الإنسان وما يترتب عليها من ثواب أو عقاب فهو يصور الإرادة الإلهية على أنها إرادة حرة ، فعّالة خالقة للخلق ، موجدة من عدم ، وفي هذا يظهر مدى افتقار الخلق إلى الحق ، كما يرى أن اللّه لم يفعل شيئا من الأشياء إلا لسبب ، وهذا السبب إما خفي راجع إلى الحق ، وإما جلّي مرتبط بالخلق ، فالنسبة إذن مفقودة بين الطرفين ومتفاوتة ، ولكن لا تخلو من علاقة ومن هنا قوله :

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 24 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 53 .